صفحة رئيسية العلاقات بين الصين ومصر العلاقات الصينية العربية معلومات السفير معلومات السفارة الأوساط المحلية معلومات عامة عن الصين المعلومات العامة عن مصر الأرباط المعنية
    صفحة رئيسية > العلاقات بين الصين ومصر
كلمة السيد السفير د. محمود كارم محمود مساعد وزير الخارجية المصرية لشئون الآسيوية حول العلاقات الصينية المصرية
2004/05/16

 

 نظم مركز الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة المؤتمر السنوى التاسع للدراسات الآسيوية تحت العنوان " الصعود

الصينى " خلال الفترة 12-13 مايو 2004، وقد ألقى السيد السفير د. محمود كارم محمود مساعد وزير الخارجية المصري للشئون الآسيوية كلمته خلال مراسم الإفتتاح للمؤتمر. وفيما تلي محتويات كلمته

 

     أود فى البداية الأعراب عن خالص شكرى وتقديرى الى مركز الدارسات الآسيوية بجامعة القاهرة على هذه الدعوة الكريمة لى للتحدث اليوم فى هذه الندوة الهامة التى تتناول موضوع شيق وهو صعود دولة الصين ، حيث يعكس انعقاد هذه الندوة الجهود التى اعتادناها من مركز الدارسات الأسيوية والرامية الى إلقاء الضوء على الموضوعات ذات الأهمية الخاصة فى السياسية الخارجية المصرية تجاه القضايا الدولية الهامة بشكل عام     والقارة الآسيوية تحديدا .

 

      ونتحدث اليوم عن صعود الصين ، هذا البلد العريق الصديق لمصر بلد الحضارة القديمة وموطن حوالى خمس سكان العالم ، والذى استطاع أن يحقق إنجازات تاريخية قياسية خلال السنوات الأخيرة على كافة المستويات دفعت به الى احتلال مكانة دولية غاية فى الأهمية ، تسعد وترحب بها مصر فى ظل الصداقة التاريخية التى تربط بين البلدين          والشعبين و القيادتين ، وفى ضوء الحكمة التى اتسمت بها السياسة الصينية ، وقد شهدت الصين تطورات هامة فى نهاية عام 2002 وبداية العام الماضى تغييرات تاريخية فى النظام السياسى الحاكم ، سواء فيما يتصل بقيادات الحزب الشيوعى الصينى خلال المؤتمر العام السادس عشر للحزب فى شهر نوفمبر الماضى حيث تم تعيين أمين عام جديد للحزب    هو السيد هو جينتاو وثمانية أعضاء اخرين ضمن اللجنة الدائمة للمكتب السياسى ، وأيضا تم تغيير غالبية قيادات الحزب الشيوعى الصينى ، أو فيما يتصل بقيادات الدولة خلال الدورة الأخيرة لمجلس نواب الشعب فى شهر مارس  2003 ، حيث تم تعيين رئيس جديد لجمهورية الصين الشعبية وهو السيد هو جينتاو ، كما اجريت تغيرات فى أغلب المناصب القيادية بالدولة ومنها رئيس الوزراء ورئيس مجلس نواب الشعب ورئيس المجلس الاستشارى السياسى .

     هذا وقد اجريت أيضا بعض التعديلات الهيكلية فى الحزب وفى المؤسسات الحكومية من خلال توسيع عضوية بعض اللجان أو من خلال دمج بعض الوزارات ، كما ارسيت بعض المفاهيم الاصلاحية الجديدة والتى ادخلت فى دستور الحزب وعلى رأسها مفهوم التمثيلات الثلاثة والذى يهدف أساسا الى مواكبة الحزب للتطورات السريعة التى تمر بها الصين و بخاصة فى المجال الاقتصادى حيث يتصل بشكل أساسى بقبول فكرة عضوية رجال الاعمال فى الحزب الشيوعى الصينى .

     ورغم هذه التغييرات الكبيرة فى الشخصيات و المؤسسات القيادية الصينية ، تجدر الاشارة الى انه لم تواكبها تغيرات كبيرة فى الاستراتيجيات والسياسات العامة الدولة ، ذلك من خلال تطبيق معادلة دقيقة وهى الدفع بقيادات لها أفكار جديدة بالتوازى مع الاحتفاظ بالتواصل من خلال خبرة  وحكمة القيادة القديمة ، فاحتفظ الرئيس الصينى السابق جيانج زيمين برئاسة اللجنة العسكرية المركزية للحزب الشيوعى الصينى ، بالاضافة الى عدد من الامثلة الاخرى المماثلة  .

 

 

وعلى الصعيد الاقتصادى استطاعت الصين أن تحقق معجزة اقتصادية غير مسبوقة خلال السنوات الاخيرة ، يشهد العالم كله على براعتها وخصوصيتها ، انعكست على مجمل المؤشرات الاقتصادية لقياس أداء الاقتصاد الصينى، وقد تمكنت الصين من ان تحقق هذا الانجاز من خلال اقرار نظام متكامل من السياسات الهادفة الى خدمة عملية التنمية الاقتصادية الجارية فى الصين ، تتناول كافة القطاعات الاقتصادية بهدف تطويرها بالشكل الذى يسمح لها ان تحقق هذه الطفرة ، وتشمل كافة المجالات الزراعية و الصناعية و السياحية والتجارية والاستثمارية والعلمية والتكنولوجية .

 

وقد حافظت الصين على أعلى معدل للنمو الاقتصادى بين دول العالم وسط حالة من التباطؤ الاقتصادى العالمى ، كما حققت أرقاما قياسية فى مجال التجارة الخارجية وجذب الاستثمارات الخارجية ، حيث أصبحت الصين الان الدولة الاولى على مستوى العالم من حيث جذب الاستثمارات الاجنبية ، كما تخطى الاحتياطى النقدى الاجنبى لدى البنك المركزى الصينى  مبلغ 400 مليار دولار ، ويسير فى اتجاه متصاعد .

 

وقد صاحب هذه الطفرة الاقتصادية القياسية تحقيق نقلة نوعية هائلة فى قطاع الصناعة الصينى، نتيجة التركيز الكبير من قبل الحكومة الصينية على تطوير قطاع العلوم   والتكنولوجيا  ، حيث اعتنقت الحكومة الصينية سياسة " أن العلم والتنقية العالية يعتبران أساسا لتحقيق التنمية الاقتصادية " ، وعليه أولت هذا القطاع رعاية خاصة ومتكاملة نتج عنها حدوث نقلة كبيرة تواكب التطورات العالمية فى هذا المجال ، وعليه أنشأت الصين قاعدة علمية عريضة ستبنى عليها مستقبلا قطاع العلوم والتكنولوجيا الصينى ، كما استطاعت ان تحقق نجاحا ملموسا فى مجال صادرات وواردات المنتجات التنقية اضافة الى جذب الاستثمارات الأجنبية الى الصين فى هذا المجال .  

 

 

قد تزايدت مؤخرا الضغوط الدولية المفروضة على الصين لرفع قيمة العملة المحلية الصينية  " اليوان " ، ورغم ان هذه الضغوط ليست جديدة ، الا ان نبرتها تزايدت خلال الفترة الاخيرة فى ضوء تراجع سعر صرف الدولار امام سلة العملات الدولية ، بالتوزاى مع استمرار تزايد حجم الصادرات الصينية وهو ما أفضى الى تفاقم حجم العجز التجارى الذى تعانى منه بعض الدول مع الصين و بخاصة الولايات المتحدة . وقد انضمت الدول الاوروبية الى الاصوات المطالبة بهذا التعديل فى قيمة العملة الصينية  ، بينما ترى الصين ان الوقت مازال مبكرا  للإقدام على خطوة رفع قيمة اليوان لاسيما فى ضوء ما هو متوقع من ارتفاع قيمة اليوان خلال الفترة المقبلة بشكل طبيعى فى أعقاب انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية وما يترتب على ذلك من فتح الاسواق الصينية أمام المنتجات الاجنبية ، كما ترى ان تعديل سعر الصرف فى الوقت الحالى سيكون له آثار سلبية على جهود الصين لرفع مستوى معيشة المواطنين الصينيين .               

 

وفى الحالتين سواء تم رفع قيمة العملة المحلية أو تم الانتظار بعض الوقت ثم تم رفعها فى وقت لاحق ، فلا شك ان الاقتصاد الصينى يسير بخطى ثابتة فى اتجاه اثبات وجوده على المستوى الدولى كقوة اقتصادية لا يستهان بها . فبناء على الاحصائيات الاقتصادية المقارنة ، تحتل الصين فى الوقت الراهن المرتبة الخامسة على المستوى الدولى من حيث حجم الناتج المحلى الاجمالى مقاسا بمعادل سعر الصرف مقوما بالدولار الامريكى ، وذلك بعد كل من الولايات المتحدة واليابان والمانيا وفرنسا على التوالى . وفى حالة قيام الصين بخفض سعر صرف عملتها ( بمعنى ان يصل سعر اليوان مقابل الدولار الى حوالى 5 يوان للدولار الواحد بدلا من 8 يوان حاليا ) ، فان ذلك سيؤدى الى ارتفاع حجم الناتج المحلى الاجمالى للصين مقوما بالدولار ليضع الصين فى المرتبة الثانية على مستوى العالم لا يسبقها فى ذلك الا الولايات المحتدة . هذا بافتراض ان الاقتصاد الصينى سيظل ثابتا على مستواه الحالى ، اما اذا ما اخذنا فى الاعتبار انه اسرع اقتصاديا العالم نموا ( حوالى 9% سنويا) فانه سيتقارب فى المستقبل غير البعيد مع حجم الاقتصاد الامريكى مؤشرا بظهور قطب اقتصادى عالمى .

 

وقد واجهت الحكومة الصينية الجديدة عقب توليها السلطة فى شهر مارس 2003، أحد أخطر التحديات التى واجهت الصين منذ مئات السنين على حد قول الصينيين أنفسهم- وتمثل ذلك فى انتشار مرض الالتهاب الرئوى المعروف " بسارس " بعدد من المناطق فى جنوب وشمال شرق البلاد خلال الفترة من شهر ابريل الى شهر مايو  ، حيث سجلت الصين أكبر عدد حالات اصابة بهذا المرض على مستوى العالم وأكبر عدد من الوفيات بسببه ،    وفى ضوء الخطورة التى شكلها هذا المرض على الامن القومى الصينى ، طبقت الحكومة الصينية الجديدة عددا من التدابير الحازمة لوقف انتشار هذا المرض فى الصين ، ادت فى زمن قياسى الى زواله تماما من المناطق المصابة به ، واعلان منظمة الصحة العالمية رفع الحظر المفروض على السفر غير الضرورى الى هذه المناطق ، وقد عادت الحياة الى طبيعتها السابقة فى هذه المدن ، بل شهدت الصين فى أعتقاب ذلك حركة عمل غير طبيعية ، سواء بالنسبة لحركة الصينيين داخل البلاد  وخارجها أو بالنسبة لعدد الزيارات الرسمية الى الصين على كافة المستويات ، وذلك لتعويض ما  شهدته الصين فترة انتشار مرض السارس من ركود . وبذا تعتبر الحكومة الصينية قد تجاوزت بنجاح تحديا كبيرا كان يهدد الامن القومى الصينى ،  وبالتأكيد ان هذا النجاح قد عزز من أسهمها وثقتها لدى الشعب الصينى  .                        

 

      وقد انعكست هذه التطورات الإيجابية القياسية فى المجال السياسى والاقتصادى الصينى على المكانة الدولية والاقليمية التى تتبوأها للصين ، حيث برزت الصين كقوة أكثر فاعلية وتأثيرا فى النظام السياسى الدولى خلال الفترة الأخيرة ، من خلال تبنى سياسة خارجية حكيمة ونشطة تجاه عدد من القضايا الدولية الهامة تأسيسا على احترام المبادىء الصينية الخمسة للتعايش السلمى والتزاما بمبادىء القانون الدولى ، وذلك من خلال المقعد الصينى الدائم فى مجلس الأمن ومن خلال الدبلوماسية الصينية الفاعلة .

 

     وقد تبنت الصين سياسة دبلوماسية نشيطة تجاه الانفتاح على العالم الخارجى سواء على المستوى السياسى من خلال الزيارات والتبادلات والمشاورات المتواصلة أو على المستوى الاقتصادى من خلال التعاون الاستثمارى والتبادل التجارى والانضمام  الى مختلف التجمعات الدولية والاقليمية ،  الامر الذى خلق شبكة ضخمة من المصالح السياسية الاقتصادية للصين مع مختلف دول العالم . وعليه تزايد الدور الصينى الدولى بشكل غير مسبوق وأصبحت الدبلوماسية الصينية لها تواجد دولى ملموس.

 

وبشكل خاص فى القارة الآسيوية ، سواء من خلال العلاقات الثنائية القوية التى تربط الصين بالدول الآسيوية الاخرى على المستويين السياسيى أو الاقتصادى ، ومن خلال انضمام الصين الى العديد من التجمعات الاقليمية الآسيوية ومثال ذلك الآسيان وتجمع شنجهاى 5 ، وتبنى دور نشط فيها ، الامر الذى ساهم فى إمكانية قيام الصين لعب دور أكثر تأثيرا تجاه العديد من النزاعات فى آسيا والحفاظ على الاستقرار بها .

 

     فقد لعبت الصين دورا حيويا فى نزع فتيل الازمة المتصاعدة بين كوريا الشمالية    والولايات المتحدة حول البرنامج النووى لكوريا الشمالية ، حيث نجحت فى دفع جميع الاطراف المعنية الى مائدة المفاوضات منعا لتصاعد الموقف ، وقد عقدت جولة ثلاثية للتشاور فى بكين خلال عام 2003 ، ثم جولتين سداسيتين أيضا فى بكين إحداهما العام الماضى والاخرى خلال العام الجارى ، ويتوقع اجراء جولة أخرى خلال الفترة القادمة ،  حيث تقوم الدبلوماسية الصينية بدور نشط فى هذا الخصوص . ورغم عدم التوصل التى اتفاق نهائى بين الاطراف المعنية فى هذه الازمة الى أن مجرد جلوس الاطراف الى مائدة المفاوضات والاتفاق على عقد جولات جديدة يعد إنجازا كبيرا يعود الفضل الاكبر فيه الى جهود الوساطة الصينية .  

 

     كما لعبت الصين دورا هاما تجاه عدد من القضايا الهامة الاخرى فى آسيا ، ومثال ذلك تتبنى دورا متوازنا تجاه النزاع الهندى الباكستانى وقضية كشمير ، فمن خلال علاقاتها الاستراتيجية بباكستان وعلاقاتها المتنامية بالهند تحث دوما الطرفين على ضبط النفس      ولذا تلعب دورا هاما فى تحقيق الاستقرار فى شبه الجزية الهندية وفى آسيا بشكل عام    و ذلك من خلال تعزيز علاقاتها بكل من اليابان وروسيا والهند وباكستان وهى اكبر الدول فى المنقطة والمجاورة للصين .

 

     ولم يقتصر تنامى دور الصين على الساحة الآسيوية فقط ، فامتد الى الشرق الاوسط ، فقد جاء قرار الصين تعيين مبعوث خاص لعملية السلام فى الشرق الاوسط انعكاسا للأهمية المتنامية للصين فى النظام الدولى ووجود رغبة فعلية لدى القيادة الصينية للعب دور أكبر ، كما جاء هذا القرار استجابة للمطالبة العربية بدور صينى اكبر فى علمية السلام فى ضوء العلاقات التاريخية والوثيقة التى تربط بين الجانبين وفى ضوء إدراك الجانب العربى الاحترام الذى تكنه الصين للحقوق العربية والشرعية الدولية . وقد أجرى المبعوث الصينى ثلاث جولات الى المنطقة حتى الآن وتم تأجيل الجولة الاخيرة التى كان من المفترض أن يقوم بها فى أعقاب حادث مقتل الشيح أحمد ياسين من قبل القوات الإسرائيلية.  كما كان للصين دور هام تجاه قضية العراق ، حيث عارضت الصين عزو العراق من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وذلك انطلاقا من احترامها لمبادىء القانون الدولى ، والآن يتوقع أن تقوم الصين بدور ايجابى فى علمية اعادة البناء بالعراق . هذا وقد جاء الاعلان عن تأسيس المنتدى العربى الصينى خلال زيارة الرئيس الصينى لمصر فى يناير الماضى تأكيدا على المصالح المشتركة والعلاقات التقليدية التى تربط بين الصين والدول العربية و رغبة الجانبين فى تطوير هذه العلاقات .   

 

     وعلى صعيد التجارة العالمية ، كان انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية فى نوفمبر 2001 خلال مؤتمر الدوحة منعطفا تاريخيا يتعين الوقوف على ابعاده ، فبعد رحلة شاقة من المفاوضات حول انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية بدأت منذ عام 1986 ، تم اقرار انضمام الصين الى هذه المنظمة التجارية العالمية ، والآن بعد ان تم اقرار انضمام الصين رسميا أصبحت امام تحدى رئيسى يوفر لها فرصا ويمنحها حقوقا جديدة من ناحية ، ويلزمها بتعهدات ويشكل اخطارا عليها من ناحية اخرى .  وقد استعدت الحكومة الصينية لعملية انضمامها الى منظمة التجارة من خلال حملة اصلاحات واستعدادات واسعة تم تكثيفها منذ عام 1999 لتعبئة كافة اجهزة الدولة تأهبا لعملية الانضمام الى المنظمة العالمية . ولعبت الصين دورا قياديا فى الاجتماع الوزارى لمنظمة التجارة العالمية فى مدينة كانكون فى سبتمبر 2003 ضمن التجمع الجديد للدول النامية ( G-21 الذى يضم مصر كذلك ) مما ساهم فى اقامة تجمع قوى لهذه الدول ليدافع عن مصالحها ضد السياسات الزراعية للدول المتقدمة والتى تتضرر منها الدول النامية .

 

         هذا وتحتل قضية الإرهاب أهمية متقدمة فى السياسة الخارجية الصينية حيث تؤمن الصين بأن الإرهاب ظاهرة عالمية لا ترتبط بدين معين أو عرق معين أو منطقة معينة ، ولذلك تؤمن بضرورة العمل بصورة جماعية لمعالجة أسباب وجذور الإرهاب الى جانب اتخاذ إجراءات عملية لمحاربة ظاهرة الارهاب الدولى ، هذا الى جانب تمسك الصين بموفقها المساند للتفرقة بين حق الشعوب المحتلة فى الدفاع عن نفسها وحقوقها و بين الأعمال الإرهابية  .     

 

 

 

    ومن ناحية أخرى ، قد حظيت العلاقات التى تربط بين مصر والصين بمكانة متميزة عبر التاريخ نظرا للاواصر السياسية والتاريخية والاقتصادية والثقافية المتعددة   و المتشعبة بين البلدين والشعبين والقيادتين،  وقد تواصلت هذه العلاقات عبر العصور القديمة من خلال " طريق الحرير " التاريخى  والذى كان يربط الصين بالقارتين الاوربية والافريقية ، وحتى العصر الحديث ، حيث اقيمت العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين فى مايو من عام 1956 ،   وكان لمصر الريادة بين كافة الدول العربية والافريقية فى اقامة علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية التى أسسها الزعيم الصينى ماو تسى تونج عام 1949 بقيادة الحزب الشيوعى الصينى ، ولا تزال القيادة الصينية تكن لمصر العرفان على هذا الموقف المصرى المتميز بين الدول العربية والافريقية الاخرى .    

 

وفى العصر الحديث تطورت علاقات البلدين منذ اقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1956 ، وقد تلاقت المصالح والافكار المصرية والصينية فى تبنى مفهوم عدم الانحياز ومحاربة الاستعمار والامبريالية الغربية ، وقد وقف الشعب الصينى وقفة تعاطف ومساندة مع مصر  وشعبها اثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 بالخروج الى الشوارع فى مظاهرات شاجبة ، كما نددت الصين بالاحتلال الاسرائيلى لسيناء عام 1967 ، وساندت دوما القضايا والحقوق العربية من خلال مقعدها الدائم فى مجلس الامن، وعلى الجانب المصرى حافظت مصر دوما على تبنى سياسة الصين الواحدة تجاه محاولات تايوان الاستقلالية وذلك من خلال الريادة المصرية بين الدول العربية والافريقية ، وقد استضافت مصر فى ديسمبر عام 1943 اجتماع زعماء دول الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية بفندق ميناو هاوس بالهرم ليصدروا إعلان القاهرة كأول وثيقة دولية تعتبر أن تايوان ( وقتها تحت الاحتلال اليابانى ) جزء لا يتجزأ من الصين ، هذا وقد وكان للرئيس المصرى الراحل جمال عبد الناصر صلات وثيقة بعدد من القيادات الصينية على رأسها الزعيمين الصينيين ماو تسى تونج و شوان لاى فى سياق عدد من المفاهيم و المصالح الدولية المشتركة التى كانت تجمع الرئيس المصرى الاسبق بالقيادات الصينية حينذاك .

ومع بداية فترة حكم السيد الرئيس محمد حسنى مبارك بدأت النقلة الحقيقية فى العلاقات المصرية الصينية ، وذلك فى ضوء عدد من الاعتبارات التالية :

1-   اهتمام سيادته الشخصى بالصين و بالتجربة الصينية الناجحة فى المجالين السياسى             والاقتصادى.

2- العلاقات الوثيقة التى تربط السيد الرئيس بالقيادات الصينية ،ابتداء من الزعيم الصينى دينج شياو بينج ثم الرئيس الصينى السابق جيانج زيمين والآن الرئيس هو جيناتو .

3- وجود تفاهم مشترك على المستوى السياسى لدى القيادتين تجاه القضايا الدولية الهامة وتجاه أهمية وجود نظام دولى قائم على التعددية و ليس الاحادية .

4-   تبادل تأييد كل جانب للقضايا القومية لدى الطرف الاخر ( الشرق الاوسط تايوان).

5- اتساع دائرة مجالات المصلحة المشتركة والتعاون الثنائى بين مصر والصين ، وبخاصة فى المجال الاقتصادى والتجارى فى ضوء تشابه الظروف التى تمر بها البلدين من اجراء عمليات اصلاح اقتصادى تهدف الى خدمة التنمية الاقتصادية الرامية الى الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين .

        

وعليه اصبحت كل الظروف مهيأة أثناء زيارة السيد الرئيس السابعة للصين فى ابريل من عام 1999 ، لتدشين منعطف جديد فى العلاقات المصرية الصينية ، حيث تم توظيف كل هذه العوامل السابق الاشارة اليها وتوجت بتوقيع الرئيسين حسنى مبارك وجيانج زيمين على بيان اقامة علاقات تعاون استراتيجى بين مصر والصين موجه للقرن الحادى و العشرين ، وهو اعلان سياسى تاريخى يهدف الى الارتقاء بعلاقات الدولتين الى مرتبة الشريكين الاستراتيجيين ، كما انه اتفاق تعاون ثنائى يشمل كافة المجالات الثنائية .  وبناء عليه و فى سياقه ، باتت تتشابك وتتعدد مجالات التعاون  والصداقة بين مصر و الصين لتشمل الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والتجارية  والزراعية والسياحية و الثقافية مع تباين عمق التعاون فى كل من هذه المجالات وفقا لامكانيات وقدرات الجانبين على المضى فيها .    

وبعد ذلك ، وفى أعقاب عدد من التطورات الدولية الحيوية وعلى رأسها أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 و مواصلة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ، باتت الظروف مهيأة لاتمام الزيارة الثامنة للسيد الرئيس حسنى مبارك الى الصين فى يناير من عام 2002، والتى مثلت حقيقة منعطفا تاريخيا اخر فى العلاقات المصرية الصينية ، فمن ناحية اكتسبت أهمية خاصة لاتمامها فى أعقاب عدد من التطورات الدولية الهامة السابق الاشارة لها والتى حتمت اجراء مشاورات ثنائية بين البلدين بشأنها ، ومن ناحية أخرى كانت بمثابة الاداة التنفيذية لبيان علاقات التعاون الاستراتيجى بين مصر والصين ، حيث تم التوقيع خلالها على ستة اتفاقات ومذكرات تفاهم بين البلدين فى عدد من المجالات المختلفة، كما عقد اثنائها الاجتماع الاول لمجلس رجال الاعمال المصرى الصينى المشترك بحضور السيد الرئيس ، هذا بالاضافة الى تضمينها زيارة لمدينة شنجن بجنوب الصين وهى معقل مجال العلوم والتكنولوجيا فى الصين كلها ، وقد أعطت دفعة قوية للتعاون بين مصر و الصين فى هذا المجال .

وبناء على هذه الزيارة ، شهد عام 2002 والنصف الاول من عام 2003 عددا من التطورات الإيجابية فى مجال العلاقات المصرية الصينية ، توجت فى نهاية شهر يناير من العام الجارى بالزيارة الاولى التى يقوم بها الرئيس الصينى هو جيناتو الى المنطقة حيث كانت مصر على رأس هذه الجولة تقديرا من الصين لأهمية مصر وبناء على العلاقات الوثيقة التى تربط بين البلدين .وقد شهدت الزيارة مشاورات ناجحة وهامة بين الرئيسين كما التقى خلالها الرئيس الصينى بعدد من القيادات المصرية ، وتم التوقيع أثنائها على أربعة اتفاقيات للتعاون الثنائى بين البلدين فى عدة مجالات مختلفة. هذا ولعبت الزيارة دورا هاما فى تنشيط مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة بشمال غرب خليج السويس حيث تم التوقيع خلالها على اتفاقية فى هذا الشأن كما حاز هذا الموضوع على اهتمام واضح من قبل الرئيس الصينى اذ عقد فى أعقاب زيارته لمصر اجتماعا ضم الجهات الصينية المعنية لحثها على ضرورة المضى قدما فى تنفيذ فى هذا الشروع والذى يعتبر أساس العلاقات الاقتصادية بين البلدين ،  وبناء على هذا الاهتمام من جانب القيادتين الصينية والمصرية فى متابعة تنفيذ هذا المشروع تم تبادل عدد من الزيارات الهامة بين الجانبين خلال الفترة فى هذا الخصوص والتى تعكس رغبة مشتركة فى المضى قدما بهذا المشروع الهام تحقيقا لمصالح الدولتين .    

 

 

خاتمة :

ونهاية يمكن القول أن خصوصية العلاقات المصرية الصينية بكافة جوانبها ، تدفع دائماً الى البحث عن سبل ووسائل جديدة لتعزيزها ، حيث توجد آفاق لم يتم طرقها بعد كما ان هناك آفاقا لم يتم توظيفها بالشكل الملائم وبخاصة فيما يتصل بالمجال الاقتصادى        والتجارى ، لاسيما فى ضوء وجود رغبة فعلية لدى القيادتين والشعبين فى ذلك . وعليه تحرص قيادة البلدين على تعزيز التشاور والتنسيق المستمر بينها خاصة فى القضايا ذات الاهتمام المشترك ، سواء من خلال الزيارات المتبادلة او من خلال الاتصالات بين الجانبين ، او من خلال آلية التشاور السياسى بين وزارتى خارجية البلدين . فى ذات السياق ويجب إعادة التأكيد على ترحيب وسعادة مصر بالدور الصينى المتنامى على الساحة الدولية .

 

أخبر صديقك
  أبدي رأي إطبع هذه الورقة